محمد أبو زهرة

4490

زهرة التفاسير

مفعول لأجله ، أي يبخع نفسه هما وحزنا إن لم يؤمنوا ، كقوله تعالى : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) [ الشعراء ] والأسف هو الهم الشديد الذي لا يذهب ، بل يبقى كقوله : . . . غَضْبانَ أَسِفاً . . . ( 150 ) [ الأعراف ] ، أي مهموما هما يسكن في القلب ولا يكون كالغضب يعرض ثم يزول ، كالزوبعة تثور ثم تهدأ ، أما الأسف والهم فيبقى . بعد ذلك بين سبحانه أن الإنسان يرى في هذه الدنيا العبر ، وعجائب الوجود ولكن لا يعتبر ؛ ولذا قال تعالى : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ( 7 ) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ( 8 ) . بعد ذلك ذكر سبحانه وتعالى عذاب القلوب وروح النفوس فأخذ سبحانه يبين غذاء الأجسام ومتعة الأعين ، وزخرف الحياة فقال : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها فزروعها وثمارها وبواسقها ودوحاتها ، وأوتادها وحيوانها ، ترى القطعان تنفث في المراعى ذاهبة عائدة ، وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( 6 ) [ النحل ] ، هذه زينة الدنيا ، كما قال تعالى : . . . وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 5 ) [ الحج ] ، وكما قال تعالى في سورة ق : وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 ) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9 ) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ( 10 ) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ ( 11 ) . هذه المتع التي تشرق بها النفس فتجد فيها سعادة النفس وغذاء الجسم مكن اللّه تعالى بني آدم منها لغاية ، وهو الاختبار ؛ ولذا قال تعالى : لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ، أي لنعاملكم معاملة المختبر الذي يريد أن يظهر ما قدره لكم محسوسا واقعا ، وقوله تعالى : أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ، أي حالهم حال من يسأل أيكم أحسن عملا ، فالاستفهام هو معنى الابتلاء ، فمن اغتر بالدنيا واستولت عليه